مالي و تطبيق شرع الله، وتجنب السقوط في فخ التنازلات، ومداهنة واسترضاء الغرب
مالي اليوم مسرح لصراع دولي محتدم يتجاوز حدود الجغرافيا الأفريقية ليصل إلى صراع الأقطاب الكبرى على الموارد والنفوذ السياسي والعسكري، كما هي مسرح لصراعات داخلية قبلية وإسلامية.
إن التحولات الميدانية المتسارعة تثير تساؤلات مشروعة حول الدور الأمريكي والغربي في إعادة رسم خريطة المنطقة خاصة بعد الخروج الفرنسي المهين الذي ترك فراغا سارعت روسيا لملئه عبر مجموعات عسكرية واستخباراتية فاغنر وفيلق أفريقيا مما جعل مالي نقطة ارتكاز للنفوذ الروسي في قلب القارة السمراء.
1. الحكومة المالية والبحث عن السيادة:
لفهم الوضع الحالي لا بد من النظر إلى خلفية الحكومة المالية الحالية التي يقودها العقيد عاصيمي غويتا، حيث جاءت هذه السلطة عبر تحولات دراماتيكية بدأت بانقلاب عام 2020 مدفوعة بسخط شعبي وعسكري عارم من الفشل الفرنسي في حماية البلاد من التدهور الامني.
تتبنى الحكومة الحالية خطابا سياديا حادا حيث اتخذت قرارات جريئة بإنهاء الوجود العسكري الفرنسي، وطرد بعثة الأمم المتحدة، هذا التوجه نحو الشرق والتحالف مع موسكو لم يكن مجرد تبديل حلفاء، بل هو محاولة من السلطة العسكرية لفرض واقع جديد يكسر الهيمنة الغربية التقليدية، وإن كان يضع البلاد في مواجهة مباشرة مع القوى الكبرى.
2. الصراعات الداخلية:
في المقابل يبرز دور الحركات الجهادية وغيرها في مالي كلاعب أساسي لا يمكن تجاوزه، وهي:
١- جماعة نصرة الاسلام والمسلمين (القاعدة) وهي الأكبر لأنه يسيطر على مساحات في الشمال والوسط.
٢- تنظيم الدولة (داعش) في الصحراء الكبرى، والذي يخوض صراعات دموية مع الجميع.
٣- الطوارق، جماعة قبلية مسلمة.
وسيحاول الأعداء استغلال الخلافات بينهم لتجنيد بعضهم ضد بعض كما حدث في سوريا، وحاول مع حماس.
3. المواقف الدولية:
يتسم موقف دول العالم من الحكومة المالية بالانقسام الحاد: فالمعسكر الغربي أمريكا وأوروبا ينظرون بريبة وعداء للسلطة الحالية، وفرضوا عقوبات اقتصادية وسياسية، مع التلويح دائما بملفات حقوق الانسان للضغط على باماكو لقطع صلتها بروسيا.
أما المعسكر الشرقي روسيا والصين فيقدم نفسه كبديل يحترم السيادة ولا يتدخل في الشؤون الداخلية : فروسيا توفر الغطاء العسكري، والفيتو الدبلوماسي، بينما تركز الصين على استثمار البنى التحتية والموارد. وعلى الصعيد الإقليمي تعيش مالي حالة من التوتر مع منظمة ايكواس مما دفعها للتحالف مع بوركينا فاسو والنيجر في تحالف دول الساحل لكسر العزلة الدولية.
4. سيناريو التقسيم:
لا يمكن استبعاد فرضية الرغبة الأمريكية والغربية في تقسيم مالي إلى دويلات ضعيفة كخيار استراتيجي لإضعاف الدولة المركزية، وتسهيل السيطرة على الثروات الطبيعية الهائلة كالذهب واليورانيوم والليثيوم، والمساعي الغربية لطرد الروس من إفريقيا قد تتخذ أشكالا متعددة، منها دعم حركات انفصالية كحركات الأزواد أو جماعات مسلحة تهدف في حقيقتها إلى جعل مالي قاعدة انطلاق لاستعادة الهيمنة الغربية ، فتحويل مالي إلى بوابة لعودة النفوذ الامريكي يتطلب بالضرورة زعزعة الاستقرار الحالي، وضرب التواجد الروسي في مقتل مهما كان الثمن البشري.
5. دروس من الواقع السوري:
إن التخوف من تحول الجماعات التي ترفع شعارات إسلامية في مالي إلى أدوات بيد الاستخبارات الدولية هو تخوف في محله تماما، فلقد رأينا في الساحة السورية كيف بدأت بعض الحركات بدعوى تطبيق شرع الله وحماية المستضعفين، ثم انتهت بأن أصبحت وقودا لاجندات خارجية مزقت البلاد، وساهمت في تشويه صورة الإسلام، ووصل الأمر ببعضها إلى الانحراف الفكري والسلوكي الذي أضر بأهل الإسلام أكثر مما نفعهم، لذا فإن الحذر واجب من أن تصبح نصرة مالي نسخة مكررة من نصرة الشام، حيث يتم استغلال حماس الشباب المسلم لتحقيق مصالح غربية لا علاقة لها بالدين أو التحرر.
وحذر أكبر من أن يكون تنظيم الدولة (داعش) مبررا للتحالف مع الصليبيين كما فعل شيوخ عملاء العرب.
6. تحرير واستقلال بلا عمالة:
إن الموقف المبدئي الذي يجب أن يتبناه كل غيور على أمته هو رفض التبعية المطلقة لأي قوة استعمارية سواء كانت غربية تقودها أمريكا وبريطانيا وفرنسا أو شرقية تقودها روسيا أو غيرها، فالتحرر الحقيقي لا يعني استبدال محتل بمحتل آخر، أو الخروج من عباءة باريس أو غيرها للدخول في عباءة موسكو أو غيرها، وإنما هو استعادة السيادة الكاملة، وبناء قوة ذاتية تنبع من هوية الأمة ومصالح شعوبها.
7. رؤية للمستقبل:
١= رفض التدويل: فيجب أن تظل قضايا المسلمين في مالي وغيرها بعيدة عن غرف المخابرات الدولية التي لا ترى في الإنسان المسلم سوى حطب لنيران حروبها.
٢= الوعي السياسي: فالتفطن للمخططات التي تهدف لتقسيم المقسم تحت مسميات الأمن أو الإصلاح.
٣= دمج كل الفصائل الموجودة في مالي تحت مرجعية علماء الإسلام في مالي، وتوجيه الجهود ضد العدو، فإن تعسّر الاندماج فالتعاون والتنسيق ومراعاة حقوق الإسلام، فإن تعذر ذلك فتجنب القتال الفصائلي، واشتراك الجميع بهدف واحد، وهو تطهير بلاد الإسلام من كل نفوذ أجنبى، وإقامة دولة قوية تعتمد على سواعد أبنائها، ولا ترتهن لقرارات القوى العظمى التي لا تبحث إلا عن مصالحها المادية فحسب.
٤= تحقيق الهدف الأسمى، وهو تطبيق شرع الله، وتجنب السقوط في فخ التنازلات، ومداهنة واسترضاء الغرب، فهو الفخ الذي سقط فيه الجولاني وجماعته هيئة تحرير الشام (هتش).
٥= تقف مالي اليوم على مفترق طرق: فإما أن تستعيد وعيها، وتستفيد من تجارب غيرها، وتطرد كل المحتلين وأذنابهم، وإما أن تقع في فخ الصراعات الدولية التي ستحولها إلى ساحة حرب بالوكالة، تستنزف الدماء والثروات، لصالح اليهود والنصارى، بل وربما تحت شعار المؤسسات الدولية كالأمم المتحدة.




