لماذا تنهار الليرة السورية اليوم… ولماذا قد يستمر الهبوط؟

لماذا تنهار الليرة السورية اليوم… ولماذا قد يستمر الهبوط؟

 

 

ليس انهيار الليرة السورية حدثًا مفاجئًا أو طارئًا، بل هو نتيجة تراكمات بنيوية عميقة في الاقتصاد والسياسة والنظام المالي. ما نشهده اليوم ليس مجرد “انخفاض في سعر الصرف” ، بل تعبير عن اختلال شامل في بنية الدولة الاقتصادية، وفقدان شبه كامل للثقة بالعملة المحلية.
الأخطر من ذلك أن المؤشرات الحالية لا تدل على توقف قريب لهذا التدهور، بل على العكس، ترجّح استمرار الهبوط وربما تسارعه.

أولًا: فقدان الثقة… العامل الحاسم

العملة ليست مجرد ورق، بل هي “ثقة”. وعندما تنهار الثقة، تنهار العملة.

في الحالة السورية:

• الشعب لم يعد يحتفظ بالليرة كخزن للقيمة.

• التجار يسعرون بالدولار أو يربطون أسعارهم به.

• حتى داخل السوق المحلي، الليرة أصبحت “وسيطًا مؤقتًا” لا أكثر.

النتيجة:
طلب متزايد على الدولار  و عرض زائد من الليرة يؤدي إلى انهيار مستمر في سعر الصرف.

ثانيًا: العجز الهيكلي في الإنتاج

أي عملة قوية تستند إلى اقتصاد منتج (صناعة + زراعة + تصدير…إلخ).
لكن في سوريا:

• تدمير واسع للبنية الصناعية.

• تراجع الإنتاج الزراعي بسبب ارتفاع التكاليف وشح الموارد.

• ضعف شديد في الصادرات.

المحصلة:

• لا يوجد تدفق عملات أجنبية كافٍ.

• الاقتصاد يعتمد على الاستيراد.

• الطلب على الدولار أكبر بكثير من العرض.

وهذا أحد أخطر أسباب الانهيار.

ثالثًا : العقوبات والعزلة الاقتصادية

العقوبات الدولية المفروضة على سوريا ( التي لم تُرفع فعليًا حتى هذه اللحظة) :

• تعيق التحويلات المالية.

• تمنع الاستثمار الأجنبي.

• تحدّ من قدرة الدولة على التصدير والاستيراد.

الأثر :

• شح الدولار في السوق.

• ارتفاع تكلفته.

• زيادة الضغط على الليرة.

رابعًا : اقتصاد الظل والسوق السوداء

في سوريا:

• نسبة كبيرة من الاقتصاد تعمل خارج النظام الرسمي.

• السوق السوداء هي المتحكم الفعلي بسعر الصرف.

النتيجة:

• البنك المركزي يفقد السيطرة.

• تعدد أسعار الصرف.

• انهيار أي سياسة نقدية رسمية.

خامسًا : تآكل الاحتياطي النقدي

الاحتياطي من العملات الأجنبية هو خط الدفاع عن العملة.

لكن:

• الاحتياطي السوري تآكل بشدة خلال سنوات الحرب.

• لم يعد لدى البنك المركزي قدرة حقيقية على التدخل.

بمعنى آخر: الليرة تُترك لمصيرها في السوق.

سادسًا : إعادة إصدار العملة دون امتصاص الكتلة القديمة (سياسة حذف الأصفار غير المكتملة)

في إطار محاولة احتواء الأزمة، اتجهت الإدارة السورية الجديدة إلى:

• إصدار عملة جديدة مع حذف صفرين (إعادة تقييم اسمية للعملة).

• لكنها لم تقم بسحب الكتلة النقدية القديمة من التداول بشكل فعلي.

• بل على العكس، استمرت بضخ العملة القديمة في السوق عبر دفع الرواتب والنفقات العامة.

وهذا ما يسمى في عالم الاقتصاد بـ التمويل بالعجز وطباعة النقود.
(أي أن إعادة إصدار العملة لم تكن سياسة إصلاح، بل مناورة مالية للهروب من العجز، محاولة لتجميل الأرقام لا لإصلاح الواقع، ولتأجيل الانفجار لا لمنعه).

اقتصاديًا :
من الناحية النظرية، حذف الأصفار ينجح فقط إذا تحقق شرطان:

• سحب فعلي للكتلة النقدية القديمة.

• ضبط صارم للسياسة النقدية والمالية.

أما في الحالة السورية:

• الكتلة النقدية لم تنخفض بل استمرت بالارتفاع.

• تم خلق ازدواج نقدي فعلي (عملة قديمة + جديدة).

• لم يترافق الإجراء مع إصلاح اقتصادي حقيقي.

النتائج المباشرة

• تضخم مقنّع ثم متسارع
ظاهريًا تبدو الأسعار أقل بسبب حذف الأصفار، لكن القوة الشرائية لم تتحسن، بل تدهورت لاحقًا بشكل أسرع.

• فقدان إضافي للثقة بالعملة فالشعب السوري يدرك أن:

• التغيير “شكلي” وليس جوهريًا.

• الدولة تطبع دون ضبط.

• زيادة الكتلة النقدية بدل تقليصها عبر:

• ضخ العملة القديمة كرواتب.

• تداول العملة الجديدة بالتوازي.

• تشوّه في السوق والأسعار

• صعوبة في التسعير.

• فوضى بين القيم الاسمية والحقيقية.

• اتساع الفجوة بين السعر الرسمي والسوق السوداء.

البعد السياسي للقرار:

هذه الخطوة تعكس محاولة:

• شراء الوقت اقتصاديًا.

• تخفيف الضغط الشعبي مؤقتًا عبر دفع الرواتب.

• إعطاء انطباع بإصلاح نقدي.

لكن في الحقيقة:

• هي ترحيل للأزمة لا حلّ لها.

• بل قد تؤدي إلى تسريع الانهيار لاحقًا عندما تتراكم آثار التضخم.

فبدل أن تكون عملية حذف الأصفار أداة لإعادة الاستقرار، تحولت إلى:

أداة تضخيم للأزمة بسبب غياب الانضباط النقدي وسحب السيولة

وهذا يضيف سببًا جوهريًا جديدًا لتوقع:

• استمرار هبوط الليرة

• وربما دخولها في مرحلة انهيار أسرع وأكثر حدة في الفترة القادمة

سابعًا  : العوامل النفسية والتوقعات المستقبلية

أخطر ما في الأسواق المالية هو “التوقع”.

اليوم:

• الجميع يتوقع أن الليرة ستنهار أكثر.

• هذا التوقع بحد ذاته يدفع الناس لشراء الدولار.

فتتحول التوقعات إلى واقع.

لماذا سيستمر الهبوط في الفترة القادمة؟

١. غياب أي إصلاح اقتصادي جذري

لا توجد مؤشرات على:

• إعادة بناء الإنتاج.

• إصلاح مالي حقيقي.

• استقرار سياسي شامل.

٢. استمرار طباعة العملة

طالما العجز قائم:

• ستستمر الحكومة بطباعة الليرة.

• وبالتالي سيستمر التضخم والانهيار.

٣. ضعف تدفقات الدولار

• لا صادرات قوية.

• لا استثمارات.

• التحويلات محدودة وغير مستقرة.

٤. تفاقم الفقر وانكماش الاقتصاد

• انخفاض القوة الشرائية.

• ركود اقتصادي.

• هروب رؤوس الأموال.

٥. احتمالات صدمات إضافية

مثل:

• ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا.

• توترات سياسية جديدة.

• تشديد العقوبات.

ختامًا :

انهيار الليرة السورية ليس مجرد أزمة نقدية، بل هو انعكاس لانهيار “منظومة اقتصادية كاملة” .
والتعامل معه لا يكون عبر إجراءات سطحية (ضخ دولار أو تحديد سعر رسمي)، بل عبر:

• إعادة بناء الاقتصاد الإنتاجي.

• استعادة الثقة بالمؤسسات.

• تحقيق استقرار سياسي حقيقي.

• بناء نظام مالي شفاف ومستقل.

بدون ذلك، ستبقى الليرة في مسار هبوطي طويل، وقد تدخل مراحل أكثر حدة من التدهور.

إصلاح :
كان بإمكان الإدارة السورية الجديدة تجنّب الانزلاق إلى هذا النفق المظلم، لو أنها تبنّت سياسة《 التحصين الاقتصادي القائمة على دوائر الاكتفاء المتدرّج》، بدل اللجوء إلى حلول نقدية شكلية.
فهذه الاستراتيجية أثبتت نجاعتها في تجارب دول عديدة واجهت أزمات اقتصادية حادة، حيث شكّلت خط طوارئ فعّالًا لإعادة التوازن وتقليل الاعتماد على الخارج، وبناء قاعدة صمود تدريجية من الداخل.
وقد سبق أن تحدثنا عن هذه المقاربة  ضمن طرح استراتيجي هنا على قناة “منبر الوعي والتمكين”، باعتبارها أحد أهم مسارات الخروج من حالات التعثّر الاقتصادي العميق.

بقلم : أ. خالد محمد ديبو

الأربعاء : ١٥ / ٤ / ٢٠٢٦

الموافق : ٢٧ شوّال ١٤٤٧

  • Related Posts

    یا الجولاني،  ليس بين الحق والباطل إلا الباطل

    یا الجولاني،  ليس بين الحق والباطل إلا الباطل     انتقاد الظلم والفساد يعني أن لا تقف في صف الظالمين والمفسدين وأن لا تؤيدهم ولو بشطر كلمة.. فلا تكن بأقوالك…

    هل حقا من يخرج في المظاهرات والاعتصامات ومن يقف خلفها،  هم الفلول فقط؟

    هل حقا من يخرج في المظاهرات والاعتصامات ومن يقف خلفها،  هم الفلول فقط؟     ابو يحيي الشامي یقول: ” مما يذهل دهشةً أن بعض الغلاة أيدوا إيران وشمتوا بشعوب…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    لماذا تنهار الليرة السورية اليوم… ولماذا قد يستمر الهبوط؟

    • من admin
    • أبريل 18, 2026
    • 2 views
    لماذا تنهار الليرة السورية اليوم… ولماذا قد يستمر الهبوط؟

    الشام و التصفية الممنهجة تحت مسميات وذرائع شتى

    • من admin
    • أبريل 18, 2026
    • 2 views
    الشام و التصفية الممنهجة تحت مسميات وذرائع شتى

    یا الجولاني،  ليس بين الحق والباطل إلا الباطل

    • من admin
    • أبريل 18, 2026
    • 1 views
    یا الجولاني،  ليس بين الحق والباطل إلا الباطل

    هل حقا من يخرج في المظاهرات والاعتصامات ومن يقف خلفها،  هم الفلول فقط؟

    • من admin
    • أبريل 18, 2026
    • 3 views
    هل حقا من يخرج في المظاهرات والاعتصامات ومن يقف خلفها،  هم الفلول فقط؟

    عصمة دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم

    • من admin
    • أبريل 16, 2026
    • 1 views
    عصمة دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم

    توغل 6 آليات إسرائيلية من قاعدة القنيطرة الجنوبي باتجاه قرية الأصبح

    • من admin
    • أبريل 16, 2026
    • 2 views
    توغل 6 آليات إسرائيلية من قاعدة القنيطرة الجنوبي باتجاه قرية الأصبح