الجولاني وأمجد يوسف و”عدالة الترند الانتقائية”

الجولاني وأمجد يوسف و”عدالة الترند الانتقائية”

 

 

في زحمة أخبار متسارعة اجتاحت الناس نشوة عارمة بعد إعلان وزارة داخلية الجولاني إلقاء القبض على المجرم أمجد يوسف الوجه الأبرز والأكثر قتامة لمجزرة التضامن التي ارتكبت قبل 13عاما!

لحظة انتظرها كثيرون بأن يروا جلادا حقودا -ساق الأبرياء معصوبي الأعين إلى حفرة الموت والنار- يساق اليوم مكبلا صاغرا ذليلا، فاعتبره البعض نصرا في ظل انتكاسات وعجلة حكومية جولانية تسابق الزمن لوأد الثورة واندماج وتماهٍ مع منظومة الإجرام النصيرية بعد فرار رأسها!

لكن وما إن تنقشع سكرة الفرح الأولي وتتسع الرؤية للخروج من عاطفة اللحظة التي انساق خلفها كثيرون غفلة أو مداراة أو نفاقا أو استثمارا حتى تصطدم البصيرة بحائط جديد: هل نحن أمام “عدالة حقيقية”؟

أم “عدالة صورية انتقائية” فُصّلت على مقاس مشهد عام رسمه المنافق الجولاني ومشغلوه بعد التحرير؟

إن الغوص بتفاصيل المشهد السوري الحالي يكشف مفارقة مؤلمة مرعبة؛ ففي الوقت الذي يُقدِّم الجولاني فيه الجلاد أمجد كقربان على مذبح “العدالة” المزعومة نرى عشرات ممن فاقوه إجراما يعفو عنهم ويعيد تصديرهم!

نتحدث عن قادة ميليشيات طائفية كفادي صقر الذي رُبط اسمه بأفظع الانتهاكات ليطل اليوم بثوب الوسيط وعراب المصالحات متذرعين زورا بغياب أدلة جنائية ضده وعن طيارين ومشغلي مطارات عسكرية أمطرت المدن والقرى ببراميل متفجرة وأحالت العمران إلى ركام لنرى بعضهم حصل على ملاذ آمن عبر تسويات سياسية جولانية صوفانية مشبوهة بحجة الحفاظ على السلم الأهلي والاستقرار المؤسسي!

هذا التناقض الصارخ يقودنا لاستنتاج مرير قاسٍ:

أن جريمة أمجد الكبرى -في عُرف موازين القوى الحالية- ليست إزهاق أرواح 41مسلما ورميهم بحفرة وحرقهم بل جريمته الحقيقية التي لم يُغفر لها هي “كاميرا” صورت جريمته و”جهات دولية” وثقت مجزرته!

وأن خطأ أمجد القاتل أنه وُثِّق بالصوت والصورة وأن تسريبا فضح جريمته وجعلها تتصدر كبريات الصحف العالمية وتتبناها منظمات حقوقية فتشكل رأي عام دولي لايمكن تجاهله، لقد أصبح وجهه رمزا مرئيا لايقبل التأويل لوحشية الحقبة الأسدية الماضية.

ولولا تلك العدسة التي سجلت ضحكاته وهو يغدر بضحاياه لربما كان المساعد أمجد اليوم يرتدي بزة مدنية ويجلس في مكتب حكومي أو يفاوض على طاولة السلم الأهلي كغيره من طغاة الظل الذين نجوا من عدسة التوثيق الالكترونية والدولية!

إن التركيز على محاسبة مجرم مصوَّر بينما يعاد تدوير مهندسي الخراب وقتلة الظل يفرِّغ مفهوم “العدالة الانتقالية” المزعومة من مضمونه ويحوله لمجرد مسرحية هزلية لامتصاص الغضب الجماهيري وإرضاء المجتمع الدولي.

ف”العدالة الحقيقية” لاتتجزأ ولاتقتصر فقط على وجود مقطع مصور بل تعتمد على إرادة حقيقية لاجتثاث ثقافة الإفلات من العقاب من جذورها ومن أهدافها الردع لمنع تكرار الجريمة لا دغدغة عواطف داخل مكلوم وتناغم مع مزاج خارج منافق وثق جريمة وأغفل مئات غيرها!

وطالما أن ميزانهم يميل لمن يمتلك دهاء إخفاء جريمته وتغييب جثث ضحاياه دون توثيق دولي وطالما أن فادي وأمثاله يجدون ثغرات ينفذون منها لمفاصل السلطة الحالية بدعوى الاستقرار والسلم الأهلي فإن دماء من قضوا تحت التعذيب وتحت أنقاض منازلهم ستبقى تلاحق المجتمع بجميع شرائحه!

نفرح بمصيبة جلادين سفاحين تلطخت أيديهم بدماء الأبرياء ووقف دورة إجرامهم لكنها فرحة ناقصة لن تكتمل إلا حين يقف إلى جانب أمجد في قفص الاتهام “المعلم” الذي ارتكبت الجريمة وصُورت لعيونه -وتقصدوا إخفاءه- وكل من أصدر الأوامر وخطط وشرعن وكتب التقارير ودعم آلة القتل وكل من نفذ بصمت ولو لم ترصده كاميرا ولم توثق جريمته صحيفة ومنظمة دولية

والأهم أن يحاكموا بشريعة الرحمن لا بذات قوانين بعثية علمانية جرمت لسنوات الضحايا وأعطت ذرائع لقتلهم!

 

فرحة ناقصة تترافق مع غصة مؤلمة محزنة حين تتكشف معالم حقيقة مغيبة بأن خلفها مؤامرة جولانية خبيثة باختزال قائمة طويلة لآلاف المجرمين بشخص المجرم أمجد وإشغال الناس بمحاسبة آخر حلقة من سلسلة الإجرام وتبرئة بقية حلقاتها وطي صفحات وسنوات سوداء من وحشيتهم وتاريخهم الدموي،

ودونكم اعترافات أمجد الموجهة والمعدّة بأنه ارتكب جريمته باجتهاد شخصي فهي أكبر دليل وشاهد!

 

إن الدم المسفوك أثقل من أن يُختزل بمقطع مصور و”العدالة” أسمى من أن تكون مجرد استجابة ل”ترند عالمي”!

 

إن “عدالة الترند الانتقائية” التي تقطع أغصان شجرة الإجرام وتترك جذورها العفنة تضرب في أعماق الأرض وتنتظر لحظة مناسبة لتعيد إنتاج أغصانها القذرة وتجدد أدوات قتلها المجرمة هي “عدالة صورية عرجاء” تحتاج لتقويم وعدالة ثانية -وربما ثورة ثانية- تحاسب المتاجرين بدماء المظلومين المتلاعبين بعواطف وحقوق ذوي الضحايا ولاتستثني أحدا أيا كان منصبه ولو كان رئيسا منافقا أو وزيرا غشاشا أو قاضيا دمية يحاسب مجرما ويعفو عن آخر يفوقه إجراما ودموية!.

  • Related Posts

    الاجتهاد بالمسلمات وثوابت الدين وأرواح الأبرياء

    الاجتهاد بالمسلمات وثوابت الدين وأرواح الأبرياء     اجتهد فأخطأ إذاً له أجر اجتهاده !! يرددها اتباع عمائم السوء   من قال لك هذا !؟ خطأ الاجتهاد المعفو عنه لا…

     قسد و الاتفاق مع الحكومة على انشاء لواء كردي في عفرين

    قسد و الاتفاق مع الحكومة على انشاء لواء كردي في عفرين     ‏إن كان هو اندماج حقيقي كما تدّعي السلطة فلماذا يوافقون على لواء كردي صافي ؟ ‏لماذا لا…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    الجولاني وأمجد يوسف و”عدالة الترند الانتقائية”

    • من admin
    • أبريل 27, 2026
    • 1 views
    الجولاني وأمجد يوسف و”عدالة الترند الانتقائية”

    الاجتهاد بالمسلمات وثوابت الدين وأرواح الأبرياء

    • من admin
    • أبريل 27, 2026
    • 0 views
    الاجتهاد بالمسلمات وثوابت الدين وأرواح الأبرياء

     قسد و الاتفاق مع الحكومة على انشاء لواء كردي في عفرين

    • من admin
    • أبريل 27, 2026
    • 0 views
     قسد و الاتفاق مع الحكومة على انشاء لواء كردي في عفرين

    مالي و تطبيق شرع الله، وتجنب السقوط في فخ التنازلات، ومداهنة واسترضاء الغرب

    • من admin
    • أبريل 27, 2026
    • 1 views
    مالي و تطبيق شرع الله، وتجنب السقوط في فخ التنازلات، ومداهنة واسترضاء الغرب

    استهداف مروحية “إسرائيلية” في بلدة الطيبة جنوب لبنان بطائرة مسيرة مفخخة

    • من admin
    • أبريل 27, 2026
    • 0 views
    استهداف مروحية “إسرائيلية” في بلدة الطيبة جنوب لبنان بطائرة مسيرة مفخخة

    التخلص من الجولاني هو الخطوة الأولى نحو نصر حقيقي لا يشوبه زيف ولا عمالة.

    • من admin
    • أبريل 25, 2026
    • 2 views
    التخلص من الجولاني هو الخطوة الأولى نحو نصر حقيقي لا يشوبه زيف ولا عمالة.